تجريب الواقع الروحي و التمرُّد

أيها السادة… كلُّ الحروف كما يقولون قابلةٌ للتشكُّل، وعلى عتبات هذه المقالة أزعمُ أنني قابلٌ للتشكُّل أيضًا. أعدتُ كلَّ الأفكار إلى مستودعها؛ ذلك الذي لا يخلو من أفكارٍ مشروخة، وأخرى قُتلت بسيف الاستدلال، وأخرى بقيت مُعلَّبةً يعلوها الضجيج.

هدفي أن نضع جميعًا “نقطة”؛ فوق السطر أو تحته… ليس مهمًا موضعها بقدر ما يهم أن نوقف عبث الكلمات التي ظنّت كلَّ شيءٍ قابلًا للكسر بتدفّقها. إنها ثالثُ نقطةٍ أضعها في حياتي كما أزعم، وقد لا أؤمِّلُ أن أضع بعدها نقطةً أخرى بعد سنوات… إلا أن أكون نسيًا منسيًا.

يا سادة، تعلمون أن الفكرةَ ضالّةُ الظن؛ إن وجدها صار معتقدًا ثم يقينًا. أمّا أنا هنا فأرجمُ الظنون بسبعٍ من الحصى… لأنها لم تعد ظنًّا؛ بل صار يقينًا أن روحي تملُّ الرتابة كما يملُّها غيري. فأوقعتُ كلَّ شيءٍ من مكانه، وظلّت روحي بعين المترقّب تنظر إلى كلّ من ينبس بشيء؛ فإن رأته يتحدّث عرفت عقلَه وروحَه وشاكلتَه… واستشكلته حتى تمحّصه.

درستُ الطبَّ سبعَ سنين: عجافَ المنظر، حلوةَ المضمون، وأُنسًا للشغوف بها. يعلّمك الطبُّ كلَّ شيءٍ في هذا الجسد… إلا الروح؛ كأنه يعلم أنها صعبةُ المنال والمعرفة، وأن العلم وقف عندها واستوقف، وبكى واستبكى على هذا العالم المكتظ بالأرواح… ونحن لا نعرف عنها شيئًا.

لذلك: من أراد أن يموت وهو على قيد الحياة، فليُثقل ظهره بمادّياتها، وليبقَ أسيرًا لا يعرف من سفينته إلا بحرًا مثقلًا بالقوارير… منزوعَ الروح.

لذلك من أراد أن يحيا بروحٍ شغوفة… فلينزع خنجرَ الرتابة الذي وضعه في خصرها، وليبدأ من هنا.

مخرج: لم أضع في آخر السطر نقطة… لنضعها جميعًا. فمن منّا يبدأ؟

د. عبدالرحمن الألمعي

1 تعليق
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شارك التدوينة

المزيد من التدوينات

في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أجِدُ أهذِهِ صَخرةٌ أمْ هذِه كبِدُ

لم تكن الهيمنة الليبرالية الغربية يومًا حاملةً لمشروع تحضّرٍ إنساني شامل.

مالي أرى اليأسَ في عَينَيكَ مُرتسِما وقلبُكَ الغضُّ بالأحزانِ قد وُسِما